حسن الأمين
18
مستدركات أعيان الشيعة
عليه ، فان أحداث المتأدبين ممن يتعاطى نظم الشعر يترفع عن مثله . . « ( 1 ) ولكن الحاتمي - وفي ظل هجومه المندفع ضد المتنبي - يتهم الشاعر بالإغارة والسرقة لمجرد اتفاق معانيه مع معاني الشعراء الآخرين ، أو لمجرد اتفاق وجود بعض ألفاظهم عنده ، وكان المعجم الشعري الذي يستخدمه أحدهم لا يحق للشعراء الآخرين أن يردوه . وعند ما قال المتنبي يرثي أم سيف الدولة : مشى الأمراء حوليها حفاة كان المرو من زف الرئال وأبرزت الخدور مخبات يضعن النقس أمكنة الغوالي أتتهن المصيبة غافلات فدمع الحزن في دمع الدلال فارجع الحاتمي البيت الأول إلى قول الصنوبري : نؤوم الضحى أهب القنافذ عنده إذا ما عراه النوم وجدته كالفنك أو عن قول ابن الرومي : لو أنها استلقت على شوك الحسك تحت الزباة وجدته كالفنك والبيت الأخير ينظر فيه إلى قول العباس بن الأحنف نظرا خفيا ، وهو من معانيه التي اخترعها : بكت غير آسية بالبكاء ترى الدمع في مقلتيها غريبا والمدقق في هذا الاتهام وغيره من الاتهامات التي غصت بها رسالة الحاتمي ، تلك التي أنشأها لتتبع سرقات أبي الطيب وساقط شعره ، يجد أن فيها كثيرا من التعسف والتحامل لأن فيها تناسيا لعنصر التجربة الشعرية والصدق الفني الذي يغذيه ، فالشاعر الصادق هو الذي يستمد معانيه وصوره من تجربته التي يرفدها ثقافاته من أسفار وقراءة وممارسات حياتية وميول وذوق بلورته الخبرة الفنية . وتتجمع في حصيلته الفكرية والفنية كثير من روافد الثقافة التي تتعدد منابعها وتختلف ، ولكنها تنصهر في بوتقة ذاته ، وتصبح ملكا له . وبقدر ما تكون أسيرة له على قدر ما يتحكم فيها ويوجهها بشخصية مستقلة قوية يكون نجاح ذلك الشاعر . أما إذا كان أسيرا لتلك الثقافات فإنه يكون فاقد الذات الفنية المتفردة ، متصنعا وهذه أمور تكشفها عملية الإبداع الشعري . وقد حاول الحاتمي أن يناقش قضية السرقات وصلتها بثقافة الشاعر وأثرها في الإبداع الشعري ، وعرض ذلك بطريقة موضوعية في ظاهرها وذهب إلى أن المتنبي دافع عن نفسه حين اتهم بالسرقة على أساس فكرة التأثر بما يحفظ ويخاطب الحاتمي قائلا « . . أما ما نعيته علي من السرق فما يدرك أني اعتمدته ، وكلام العرب آخذ بعضه برقاب بعض ، وآخذ بعضه من بعض ، والمعاني تعتلج في الصدور ، وتخطر للمتقدم تارة وللمتاخر أخرى ، والألفاظ مشتركة مباحة . . ثم يتساءل نافيا » . . فمن هذا الذي تعرى من الاتباع ، وتفرد بالاختراع والابتداع ، لا أعلم شاعرا جاهليا ولا إسلاميا إلا وقد احتذى واقتفى . . « . ( 2 ) ويناقشه الحاتمي فيما ذهب إليه ويقول » . . وإنما حكم لهم [ للشعراء الجاهليين والإسلاميين ] بالفضل ، وسلم إليهم خصلة من أجل ما ابتدعوه من المعاني ، وسبقوا إليه من الاستعارات ، وابتكروه من التشبيهات الواقعة والأمثال الشاردة ، وذللوه من طرق الشعر الحزنة ولما تعايروا بالسرق والاجتلاب والنقل والاجتذاب . . « ثم يقول » . . فلا يتسمح الشاعر بان يكون جمهور شعره عند التصفح مسترقا ملصقا ، ومجموعا ملفقا ، ولا أن يكثر الاعتماد في شعره ، ويتناصر السرق في كلامه . ومن سبيل المحتذي أن يأخذ المعنى دون اللفظ ، ثم أن يطويه إن كان مكشوفا ، ويكشفه إن كان مستورا ، ويحسن العبارة عنه ، ويختار الوزن العذب له ، حتى يكون بالأسماع عبقا وبالقلوب علقا . . « ويذكر الحاتمي العديد من الأمثلة التي حدث فيها احتذاء وحدث مع الاحتذاء إجادة منها قول الأعشى : وذرنا وقوفا إن هم عمدوا لنا أبا ثابت وأقعد فإنك طاعم فأخذه الحطيئة ، فأحسن العبارة عنه ، واستوفى المعنى فيه ، فصار أحق به من المخترع له بقوله : دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقصد فإنك أنت الطاعم الكاسي ( 3 ) وعلى ذلك فإنه يقر بالاحتذاء لا على أنه نوع من النقل والسرقة الذي تنمحي فيه شخصية الشاعر ، بل على أنه نوع من التأثر بطريقة الشاعر وأسلوبه . وهذا ما أكده عبد القاهر وطوره تطويرا ناضجا منحه طابعا فنيا راقيا ، فقد لام النقاد القدامى الذين يعيبون على الشعراء المبتدئين احتذاءهم لأشعار غيرهم من المبرزين ، ويرى أن ذلك سبيل المبتدئين وأنه طريقهم لتفتح شاعريتهم وصقلها وتدريبها على النظم ، فالفرق بين الاحتذاء والسرقة كبير ، ويعرف الاحتذاء بقوله « أن يبتدئ الشاعر من معنى له وغرض أسلوبا ( والأسلوب الضرب من النظم والطريقة فيه ) فيعمد شاعر آخر إلى ذلك الأسلوب ، فيجيء به في شعره ، فيشبه بمن يقطع من أديمه نعلا على مثال نعل قد قطعها صاحبها فيقال قد احتذى على مثاله » . ( 4 ) ويذهب الدكتور مصطفى هداره إلى أن الاحتذاء والاقتداء الذي أشار إليه القدماء هو الاحتذاء الذي أقره المحدثون ، يقول « ولو أننا قارنا بين شروط السرقة الممدوحة كما قررها نقاد العرب ، وشروط الاحتذاء الفني كما قررها النقاد الأوروبيون ، فسنجد التطابق بينهما شديدا . وما ذاك إلا لأن السرقة الممدوحة عند العرب إنما تعني الاحتذاء بمعناه الفني ، وهي التي يرضى عنها نقاد العرب الذين لا يتعصبون للقديم » . ( 5 ) وفي النقد العربي الحديث عالج الدكتور محمد مندور هذه القضية معالجة دقيقة أوجب بمقتضاها التمييز بين أشياء هي : 1 - الاستيحاء : وهو أن يأتي الشاعر أو الكاتب بمعان جديدة تستدعيها مطالعاته فيما كتب الغير . 2 - استعارة الهياكل : كان يأخذ الشاعر أو الكاتب موضوع قصيدته أو قصته عن أسطورة شعبية أو خبر تاريخي وينفث الحياة في هذا الهيكل حتى ليكاد يخلقه من العدم . 3 - التأثر : وهو أن يأخذ شاعر أو كاتب بمذهب غيره في الفن أو
--> ( 1 ) الموضحة 88 ، وللاطلاع على أمثلة أخرى انظر 136 وما بعدها . ( 2 ) الموضحة 148 . ( 3 ) المصدر السابق 153 . ( 4 ) دلائل الاعجاز 360 ، 361 . ( 5 ) مشكلة السرقات في النقد العربي 237 ، انظر رأي ابن طباطبا ( عيار الشعر ورقة 13 ) نقلا عن مشكلة السرقات 93 .